الرأسمالية لم تعد تعمل

الرأسمالية لم تعد تعمل
الراسمالية لم تعد تعمل

ماذا نقصد عندما نقول بان الراسمالية لم تعد تعمل؟ ، و لماذا ينبغي الانتقال من اقتصاد السوق الى اقتصاد اشباع حاجات البشر.

شهدت بلدان أوروبا الغربية خلال القرن الثامن عشر نهضة علمية شاملة فتنوعت الأبحاث والتجارب لتشمل مختلف فروع العلم ولتؤدي إلى اختراعات واكتشافات مهمة كانت السبب المباشر في قيام الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر. وهي ثورة كان لها الأثر البالغ على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية سواء في أوروبا أو خارجها. وكان من ابرز نتائجها التحول الى النظام الراسمالي الذي اصبح طريقة الحياة السائدة على الارض.

يقوم الاقتصاد الراسمالي على دائرة استهلاكية اساسية و هي العامل, المستثمر, المستهلك. الناس يعملون في العادة للحصول على اجور و هم بعملهم ينتجون البضائع و الخدمات. و لكن العمال هؤلاء هم في الواقع مستهلكين ايضا. فبواسطة الاموال التي يحصلون عليها من جراء عملهم يشترون هم حاجاتهم من السوق, و بهذا تستمر دورة الانتاج و التسويق.

كان لهث المستثمرين وراء الارباح يؤدي الى توسيع و زيادة الاستثمارات و الذي كان يؤدي بالتالي الى زيادة توظيف الايدي العاملة في المصانع و المنشآت الجديدة. و مع استمرار النمو كان النظام الاقتصادي الجديد لا ينتج المزيد من البضائع فقط بل كان ينتج ايضا المزيد من المستهلكين الجدد الذين يدخلون دورة الاسواق من خلال الحصول على الوظائف الجديدة. فكان النمو الاقتصادي يؤدي مباشرة الى تحسين نسبي في حياة الناس ومن ثم الى انتعاش الاسواق الذي يؤدي الى المزيد من الاستخدام.

التطور التكنولوجي الذي ظهر بشكل خاص بعد الحرب العالمية الثانية و اشتد وتائره في الخمسينات و الستينات تتوج بدخول الروبوتات و الاتمتة الميكنة و الحوسبة و الدجتلة و غيرها مما ادى الى انتهاء عمل المعادلة القديمة. حيث ان استخدام الاجهزة الاوتوماتيكية ادى الى مضاعفة الانتاج عدة مرات بينما كان اصحاب الشركات يهدفون من الاتمتة او الميكنة التخلص من العمالة البشرية التي كانت مكلفة لاصحاب العمل و اقل كفاءة من الآلة. فاصبح النمو لا يؤدي الى وظائف جديدة و بالتالي لا يؤدي الى توفر المستهلكين الذين يفترض وجودهم لشراء البضائع بل على العكس ففي حين تزايدت الطاقات الانتاجية بسبب الآلة كان الطلب يتراجع بدلا من ذلك بسبب تدهور القدرة الشرائية.

الراسمالية لم تعد تعمل

إن آليات اقتصاد السوق بدأت تتنافى مع الرياضيات, فاصحاب الشركات يحلمون باسواق لا نهائية يتقاطر فيها الناس للشراء لكي يكون بمقدورهم بيع كميات لا نهائية من البضائع للحصول على اقصى الارباح “ولكن” باستخدام اقل عدد من البشر. و هذه المعادلة الخاطئة كانت السبب في توقف النمو و الاستخدام و عرقلة الدورة الانتاجية و الاستهلاكية.

و قد تم حل هذه المشكلة كما اشرنا اليه سابقا الى فصل النقود عن الذهب و اصدار قوانين التسليف الجزئية للبنوك و من ثم ضخ النقود المجانية في الاسواق. الامر الذي ادى الى انتعاش الاسواق من جديد و تضخم قطاع الخدمات و ضهور ملايين الوظائف غير الضرورية و التي لم تكن سوى وظائف في خدمة تداول الاموال لدفع عجلة التسوق و الاستهلاك المفرط, ودخولنا ما اصبح يعرف بالعالم الاستهلاكي. اما وقد بلغ ديون الافراد و الشركات و الحكومات الى اقصى مدى يمكن ان يصله, فان القروض الجديدة لم تعد تؤدي الى ظهور المزيد من المستهلكين و الوظائف و الاستثمارات لان المستثمرين قد توقفوا عن توظيف الناس لانهم يستخدمون الالات و حتى المراكز الانتاجية القديمة بدأت تستغني عن العمالة البشرية, فلا يؤدي استمرار ضخ الاموال المجانية الى حركة الاسواق بعد ان فقد هذا الاجراء مفعوله السحري الامر الذي سيؤدي الى انهيار قيمة العملات بدلا من ذلك و ينذر بكارثة اقتصادية وشيكة.

مشكلة اقتصاد السوق في الحقيقة هي مشكلة رائعة و تبعث على الآمال. و هي اننا ننتج ما يفوق حاجاتنا و هذا ليس جيد اذا كان هدفنا جني الارباح, ولكن لاجل بقية البشر فان هذا هو الخبر الوحيد المفرح في عالمنا و هو اننا نستطيع الآن تغيير نظام الانتاج لاجل الارباح الذي لم يعد يعمل و لم يعد مفيدا حتى للمستثمرين لانهم ببساطة لم يعودوا يستطيعون جني مزيد من الارباح. و نقيم نظاما قائما على اشباع حاجات الانسان, ما دامت هذه هي المشكلة. فهذا هو الحل المنطقي. لنجعل كل شئ مجانيا و نوفره لكل البشر.

الانتقال الى نظام اجتماعي جديد قائم على الوفرة امر حتمي و لا مفر منه اذا لم تدمر البشرية نفسها بالحروب قبل ذلك. و حتى يتحقق التحول فان جميع الاحتمالات ممكنة.

التعليقات

اترك تعليقاً